أحمد بن علي القلقشندي

352

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ذلك ليس بعيب عند كثير من أهل العربية ، وهو الحق ، فقد وقع مثل ذلك من التكرير في القرآن الذي هو أفصح كلام ، وآنق نظام ، في قوله تعالى : * ( والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ) * ( 1 ) فكرر ذكر الميزان ثلاث مرات في مقدار يسير من الكلام ، وأمثاله في القرآن الكريم كثير . قال في « الصناعتين » : فإن احتاج إلى إعادة المعاني أعادها بغير اللفظ الذي ابتدأ به كما قال معاوية : « من لم يكن من بني عبد المطلب جواد فهو دخيل ، ومن لم يكن من بني الزّبير شجاعا فهو لزيق ، ومن لم يكن من بني المغيرة تيّاها فهو سنيد » . فقال : دخيل ، ثم قال : لزيق ، ثم قال : سنيد ، والمعنى واحد ، والكلام على ما ترى حسن ؛ ولو قال لزيق ثم أعاد لسمج . على أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في « المثل السائر » قد ذكر ما ينافي ذلك ، وتعقّب أبا إسحاق الصابي في قوله في تحميدة كتاب : الحمد للَّه الذي لا تدركه الأعين بألحاظها ، ولا تحدّه الألسن بألفاظها ، ولا تخلقه العصور بمرورها ، ولا تهرمه الدّهور بكرورها ؛ وقوله بعد ذلك في الصلاة على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : لم ير للكفر أثرا إلَّا طمسه ومحاه ، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه ؛ فقال لا فرق بين مرور العصور ، وكرور الدهور ؛ وكذلك لا فرق بين محو الأثر وإعفاء الرسم ؛ ويحتمل أن يقال إنما كره صاحب « المثل السائر » ذلك لتوافق القرينتين في جميع المعنى بخلاف كلام معاوية فإنه متوافق في اللفظة الأخيرة فقط . قال في « الصناعتين » : وتجنّب كلّ ما يكسب الكلام تعمية كما كتب سعيد ابن حميد يذكر مظلمة إنسان في كتابه : لفلان - وله بي حرمة - مظلمة ، يريد لفلان مظلمة وله بي حرمة ، بمعنى أنه راعى حرمته . قال : واعلم أن الذي يلزمك في تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ولا يلزمك فيها

--> ( 1 ) الرحمن / 7 - 8 - 9 .